أحمد بن محمد المقري التلمساني
105
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الدينية ، ما يعظم اللّه به الأجر ، وذلك في جملة مسائل : منها مسألة ابن الزبير المقتول على الزندقة بعد تقضي موجباته على كره منكم ، ومنها مسألة ابن أبي العيش المثقف في السجن على آرائه المضلّة التي كان منها دخوله على زوجه إثر تطليقه إياها بالثلاث ، وزعمه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أمره مشافهة بالاستمتاع بها ، فحمّلتم أحد ناسكم تناول إخراجه من الثقاف من غير مبالاة بأحد ، ومنها أنّ أحد الفتيان المتعلقين بكم توجّهت عليه المطالبة بدم قتيل ، وسيق المدعى عليه للذبح بغير سكين ، فما وسعني بمقتضى الدين إلّا حبسه على ما أحكمته السّنّة ، فأنفتم لذلك ، وسجنتم الطالب وليّ الدم ، وسرحتم الفتى المطلوب على الفور ، إلى غير ذلك ممّا لا يسع الوقت شرحه ، ولا يجمل بي ولا بكم ذكره . والمسألة الأخرى أنتم توليتم كبرها حتى جرى فيها القدر بما جرى به من الانفصال ، والحمد للّه على كلّ حال ، وأمّا الرمي بكذا وكذا ممّا لا علم لنا بسببه ، ولا عذر لكم من الحقّ في التكلّم به ، فشئ قلّما يقع مثله من البهتان ممّن كان يرجو لقاء ربّه ، وكلامكم في المدح والهجو ، هو عندي من قبيل اللغو ، الذي نمرّ به كراما « 1 » والحمد للّه ، فكثّروا أو قلّلوا من أي نوع شئتم ، أنتم وما ترضونه لنفسكم ، وما فهت لكم بما فهت من الكلام ، إلّا على جهة الإعلام ، لا على جهة الانفعال ، لما صدر أو يصدر عنكم من الأقوال والأفعال ، فمذهبي غير مذهبكم ، وعندي ما ليس عندكم . وكذلك رأيتكم تكثرون في مخاطباتكم من لفظ الرّقية « 2 » في معرض الإنكار لوجود نفعها ، والرمي بالمنقصة والحمق لمستعملها ، ولو كنتم قد نظرتم في شيء من كتب السّنّة وسير الأمّة المسلمة نظر مصدق لما وسعكم إنكار ما أنكرتم ، وكتبه بخطّ يدكم ، فهو قادح كبير في عقيدة دينكم ، فقد ثبت بالإجماع في سورة الفلق أنها خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأنه المراد بها هو وآحاد أمّته ، وفي أمهات الإسلام الخمس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « كان إذا اشتكى رقاه جبريل ، فقال : بسم اللّه يبريك ، ومن كلّ داء يشفيك ، ومن شرّ حاسد إذا حسد ، ومن شرّ كلّ ذي عين » . وفي الصحيح أيضا أنّ ناسا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، كانوا في سفر ، فمرّوا بحي من أحياء العرب ، فاستضافوهم ، فلم يضيفوهم ، فقالوا : هل فيكم راق فإنّ سيد الحي لديغ « 3 » ، أو مصاب ؟ فقال رجل من القوم : نعم ، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب ، فبرئ الرجل ، فأعطى قطيعا من غنم - الحديث الشهير ، قال أهل العلم : فيه دليل على جواز أخذ الأجرة على الرقية والطب وتعليم القرآن ، وهو قول مالك وأحمد والشافعي وأبي ثور وجماعة من السلف ، وفيه جواز
--> ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ، وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً . ( 2 ) الرقية : ما يستعان به من أساليب ووسائل وكلام لشفاء مريض أو مجنون ، أو من أصابته عين أو من لدغته حية . ( 3 ) اللديغ : الملدوغ .